صحيفة «لوس انجلس تايمز» تنشر مقالاً مطولاً عن «منع الكتب في الكويت»


بهذه الكلمات عنونت صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية خبر منع الكتب في الكويت، حيث جاء في صفحتها بتاريخ 1 أكتوبر 2018: «يتزايد سخط محبو الكتب في الكويت، فهم يعيشون في مجتمع يرى جهازه الرقابي الحكومي أن إصدارات كل من دانتي ودوستويفسكي، وأفضل المؤلفين في البلد، بل وحتى المؤلفات النادرة المتعلقة بالتشريع الإسلامي أنها مستفزة. فقد تم منع قرابة 4400 كتاب في السنوات الخمس الأخيرة في البلاد، حيث يشكل ذلك توجها رقابيا جديدا غير مألوف لبلد عُرف يوما بأنه «هوليوود الخليج» لغزارة الإنتاج الثقافي فيه وانفتاحه السياسي.»

وجاء أيضا: «تسبب هذا المنع بتزايد حالات السخط بين أوساط الطبقة المثقفة، فقد تجمهر مئات من المعترضين قبال مجلس الأمة في الأسابيع التي مضت، ورفع آخرون لوحات تحمل صورا لكتب ممنوعة اليوم في الكويت، حيث كان مسموح تداولها في السابق، فيما عبر آخرون عن اعتراضهم من خلال وسم (ممنوع في الكويت) ووسم (لا تقرر عني) في التويتر.»

بدأت هذه الموجة الاحتجاجية بعد قيام نائب البرلمان الكويتي خالد الشطي مطلع هذا العام بتوجيه سؤال برلماني حول عدد الكتب الممنوعة في الكويت، حيث قال في اتصال هاتفي: «لقد سالت عن عدد الكتب الممنوعة في السنوات الخمس التي مضت فقط، وقد كنت أظن أن الإجابة ستأتي في ظرف ورقي واحد كما هو المعتاد، لكنني فوجئت بورود 16 كرتونا بها وثائق حافلة بأسماء الكتب الممنوعة، مع تقارير بأسباب منع كل كتاب على حدة.»

وجاء أيضا «بعض أسباب المنع تعزى إلى عدم اتباع الأساليب المناسبة أو بسبب التوظيف غير المناسب للشخصيات الإسلامية بشكل يعبر عن تعدي صارخ للقيم المقدسة المتعارفة. ومن جملة الأسباب أيضا هو اللغة الطائفية أو السياسية المتعدية التي قد تمزق الوحدة الوطنية، أو ذكر عابر لكل ما اعتقده المراقب يشكل تعديا عرقيا.»

«وتتولى لجنة تابعة لوزارة الإعلام مكونة من تسعة أشخاص مهمة منع الكتب، ويصدر كتاب من ورقة واحدة من موظفي الوزارة يشيرون فيه بوجود سبب للمنع،» وبحسب بيانه، «قام الموظفين المساعدين في مكتبي بتمحيص هذه التقارير وعناوين الكتب الممنوعة، فوجدوا أن المنع يتم بصورة تعسفية قائمة في بعض الأحيان على سوء الفهم أو الهوى الخالص للمراقب في أحيان أخرى. فعلى سبيل المثال، قام بعض غير المتخصصين من المراقبين بالإشارة ضد بعض الكتب بناء على سوء فهم لكلمات المؤلف، أو بسبب فقدانهم لفهم الذائقة الرمزية الرمزية،» وأضاف «يقومون بمنع الكتب وفقا لما اعتقدوه مقصدا للكاتب، وهذا أمر مشين.» وقام المراقبون أيضا بمنع الكتب نتيجة فهمهم المفردات خارج سياقها، أو بسبب عزلهم العبارات عن تسلسلها القصصي.

وأضاف عبدالله الخنيني، طالب مستجد في مرحلة الماجستير في المملكة المتحدة وناشط ضد فكرة الرقابة: «لنفترض أن هناك شخصية في الرواية صرحت بأنها ملحدة، ولكن في وسط الرواية تقوم هذه الشخصية بتغيير توجهها، فهي رواية خيالية بكل الأحوال، والتدرج القصصي يشكل طبيعة أصيلة في الروايات الأدبية، ولكن لأن الكتاب اشتمل على مصطلح الإلحاد، يتم منع الكتاب.» وقد انتشرت بعض تقارير المنع في وسائل التواصل الاجتماعي عبر مجموعة «ميم» تفيد بأن مجرد وجود لباس داخلي للشخصية الخيالية «لتل ميرميد» كافيا لمنع رواية مشهورة في عالم الروايات الخيالية. ومن جملة الكتب الممنوعة جاءت دوريات موسوعة مارفل للأطفال، وكتاب للتاريخ المصري ومؤلف يشتمل على مقولات العالم الصوفي المسلم جلال الدين الرومي.

وقد أخذت المطالبات ضد المنع تتزايد في الآونة الاخيرة متزامنة مع بروز سيطرة جهاز الرقابة الحكومي قبل إنطلاق معرض الكتاب السنوي لهذا العام، هذا المعرض الذي يقام في كل شهر نوفمبر منذ السبعينات، قد ساهم في إظهار المجتمع الكويتي على أنه الأكثر انفتاحا في منطقة الخليج الفارسي. وفي معرض هذه السنة، لن تباع رواية «مئة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز، على الرغم من أن ستة طبعات قد دخلت البلاد دون أية مشاكل في وقت سابق، علما بأن هذه الرواية قد نشرت لأول مرة قبل خمسين عاما. أما القراء الذين يبحثون عن رواية «الكوميديا الإليهة» لدانتي أو الجزء الثاني من رواية «الأخوة كارامازوف» لدوستويفسكي أو الباحثين عن مؤلفات الكاتب المصري نجيب محفوظ، فلن يكونوا أسعد حظا كذلك، فكتبهم أيضا ممنوعة.

كما واكتشفت أستاذة الأدب في جامعة الكويت د. مي النقيب، التي حازت مجموعتها القصصية بعنوان «الضوء الخفي للأشياء» على جوائز عدة، أن روايتها هذه ممنوعة أيضا بعد عودتها من الإجازة في الشهر الماضي. وقد قالت في رسالة إلكترونية بعثها ما معناه: «لا أعلم ماهو السبب في منع كتابي، لكن لو نظرنا لأسباب منع الكتب الأخرى، فحتما سيكون سبب منع كتابي تعسفيا وسخيفا. إنه ليحزنني أن كتابي الذي هو في الحقيقة عبارة عن رسالة حب إلى الكويت، لن يكون متاحا للمواطنين والمقيمين على هذه الأرض.»

ويرى العديد أن سياسة منع الكتب ماهي إلا امتداد لعملية انحسار النظام السياسي الليبرالي للبلد الذي بدأ منذ سنوات، أي منذ حرب الخليج في سنة 1990, فمع صعود نجم المحافظين في البرلمان، قدمت الحكومة في عام 2006 قانونا داعيا للمزيد من الحريات في الصحافة، وفي نفس الوقت تم تغليظ العقوبات ضد من ينشر مواد إعلامية مهينة للإسلام، أو من ينتقد الحاكم أو يطالب بتغيير القيادة. وعبر عبد الله الخنيني عن ذلك بالقول: «يمكنك أن تكتب شيئا ما في الجريدة وتنشره دون أية مشاكل، لكن نفس الموضوع لو تناولته في كتاب، فإنه سيتعرض للمنع وستعاقب ويمكن أن تسجن لو نشرته في وسائل التواصل الاجتماعي.»

من جهته، أعرب النائب محمد هايف عن تأييده لجهود لجنة الرقابة، مبينا أنها قامت بدور مهم في منع تداول الكتب الداعية للإلحاد وتعاطي المخدرات والتهتك. وقد وجه تحية إلى اللجنة وأعرب عن دعمه لها للمضي قدما دون إلتفات لأصوات النشاز المناهضة لها.

من جانبه، أعرب وزير الإعلام محمد الجبري عن رفضه لما أسماه «شماعة الرقابة» المثارة حاليا، فهو يرى بأن قرارات المنع المتخذة كانت قد سبقت فترة توليه الوزارة منذ قرابة العام. وقد بين في اتصال هاتفي أن سقف الحريات في الكويت مرتفع، حيث سمحت الوزارة بتمرير 12 ألف كتاب مقابل منع 65 كتاب فقط، مبينا أنه قد التزم بتطبيق التشريعات الصادرة من مجلس الأمة، والتي من جملتها السماح لمن يعتقد أنه قد تضرر بأن يستأنف قرار منع الكتاب خلال 60 يوما من تاريخه.

هذه الردود لم تقنع الشاعرة والناقدة سعدية مفرح، فقد قالت ما مضمونه في اتصال هاتفي أن المشكلة لا تكمن فقط في فكرة الوصاية بقدر غياب المعايير الواضحة لها. فالكتاب قد يمنع هذه السنة، ثم يباح في السنة التي تليها، وقد يمنع من التداول في معرض الكتاب ويكون متاحا في دور بيع الكتب.

وبالعودة إلى النائب الشطي، فقد كان أكثر دقة في تحديد سبب المشكلة، فهو يرى أن الرضوخ الحكومي للتيارات المحافظة المتشددة ذات التطرف الإسلامي هو السبب، وأوضح قائلا بأنه قد لا يتفق مع مضمون كثير من الكتب الممنوعة، لكنه يرى أن من حق كل فرد أن يقرأ ما يشاء منها.

لرؤية المقال اضغط على هذا الرابط
http://www.latimes.com/world/la-fg-kuwait-book-ban-20181001-story.html